سيد محمد طنطاوي

133

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والاستفهام للإنكار . أي : أجعل محمد صلَّى اللَّه عليه وسلم الآلهة المتعددة ، إلها واحدا . وطلب منا أن ندين له بالعبادة والطاعة ؟ . * ( إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ ) * أي : إن هذا الذي طلبه منا ، ودعانا إليه ، لشيء قد بلغ النهاية في العجب والغرابة ومجاوزة ما يقبله العقل . و * ( عُجابٌ ) * أبلغ من عجيب . لأنك تقول في الرجل الذي فيه طول : هذا رجل طويل ، بينما تقول في الرجل الذي تجاوز الحد المعقول في الطول : هذا رجل طوال . فلفظ * ( عُجابٌ ) * صيغة مبالغة سماعية ، وقد حكاها - سبحانه - عنهم للإشعار بأنهم كانوا يرون - لجهلهم وعنادهم - أن ما جاءهم به الرسول - - هو شيء قد تجاوز الحد في العجب والغرابة . واسم الإشارة يعود إلى جعله صلَّى اللَّه عليه وسلم الآلهة إلها واحدا ، لأنهم يرون - لانطماس بصائرهم - أن ذلك مخالف مخالفة تامة لما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم من عبادة للأصنام . وما كان مخالفا لما ورثوه عن آبائهم فهو - في زعمهم - متجاوز الحد في العجب . ثم صور - سبحانه - حرصهم على صرف الناس عن دعوة الحق . تصويرا بديعا ، فقال : * ( وانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ ) * . أي : وانطلق الأشراف من قريش عن مجلس أبى طالب ، بعد أن سمعوا من الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم ما أغضبهم وخيب آمالهم . انطلقوا يقولون : أن امشوا في طريقكم التي كان عليها آباؤكم واصبروا على عبادة آلهتكم مهما هوّن محمد صلَّى اللَّه عليه وسلم من شأنها ، ومهما نهى عن عبادتها . * ( إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ ) * أي : إن هذا الذي يدعونا إليه محمد صلَّى اللَّه عليه وسلم من عبادة اللَّه - تعالى - وحده وترك عبادة آلهتنا لشيء يراد من جهته هو ، وهو مصمم عليه كل التصميم ، ونحن من جانبنا يجب أن نقابل تصميمه على دعوته ، بتصميم منا على عبادة آلهتنا . وعلى هذا المعنى تكون الإشارة هنا عائدة إلى ما يدعوهم إليه النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم من عبادة اللَّه وحده . ويصح أن تكون الإشارة إلى دينهم هم ، فيكون المعنى : إن هذا الدين الذي نحن عليه لشيء يراد لنا ، وقد وجدنا عليه آباءنا ، وما دام الأمر كذلك فلن نتركه مهما كرّهنا فيه محمد صلَّى اللَّه عليه وسلم . قال الآلوسي : قوله : * ( إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ ) * تعليل للأمر بالصبر ، والإشارة إلى